Yahoo!

العلمانية في المغرب المعاصر: رفض الدال أم رفض المدلول؟

كتبها عبدالعزيز سيفاو ، في 10 أكتوبر 2006 الساعة: 19:02 م

لا أبالي إذا كنت في جانب والجميع في جانب آخر، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم، ولا أجزع إن خذلني من يؤمن بما أقول، ولا أفزع إن هاجمني من يفزع لما أقول، وإنما يؤرقني أشد الأرق، أن لاتصل هذه الرسالة إلى من قصدت، فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح، وأنصار المبدأ لا محترفي المزايدة، وأنصار الحكمة لا محبي الحكم، وأتوجه إلى المستقبل قبل الحاضر…، ولا ألزم برأيي صديقا يرتبط بي، أو حزبا أشارك في تأسيسه، وحسبي إيماني بما أكتب، وبضرورة أن أكتب ما أكتب، وبخطر أن لا أكتب ما أكتب…." (شهيد العلمانية : د.فرج فودة)
يكتسي المقدس أهمية بالغة في الحياة الإنسانية على العموم. ولذلك كان لزاما على الإنسان منذ الأزل أن يبتكر قنوات شديدة التنوع والاختلاف من أجل تصريف هذا المعطى النفسي الحيوي، وأيضا تكييفه مع مختلف الظروف الحياتية الخاصة والعامة، وذلك في إطار تشكيلة بشرية شديدة التعقيد. وكلما تعمقنا في سراديب التاريخ الإنساني إلا وأصبح التقديس سمة الوجود والحياة. فالقداسة شرط الوجود ومبرره عند الإنسان القديم، إنه لم يكن يتصور الحياة والوجود بدون مسحة قداسة. إنها نمط الحياة وأكثر من ذلك، إنها شرط الوجود. ولذلك ترى الإنسان في المجتمع الأكثر بدائية يقدس كل شيء يحيط به، الصيد مقدس، المطر مقدس، الأرض مقدسة، الأب والجد والأسلاف مقدسون، بل هم آلهة، وقس على ذلك كل مظاهر العيش. فأمام الغموض الكبير الذي يلف الحياة والكون، كان هذا التقديس منهجا فكريا لفك الرموز والطلاسم الطبيعية، وكان أيضا خطة إستراتيجية فعالة من أجل خلق اللحمة الخاصة والضرورية لتكتل المجموعة البشرية الواحدة، إنه المسوغ المثالي والمتعالي عن الزمان والمكان لشرعنة الوحدة وتحقيق المصالح الحياتية المادية منها والنفسية. إن المقدس لدى الإنسان البدائي أساس الوجود وشرطه. وهذا منطق طبيعي جدا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المعرفة الإنسانية الحقة ما زالت لم تتخط بعد ظلمات اللامكان، ولم تحن بعد لحظة انبجاس الفجر العلمي والذكاء الإنساني الخلاق. وهذا ما فسح المجال لهذا العنصر الذي سيستنفذ وظيفته التاريخية بمجرد بزوغ التحليل العلمي للواقع.
وقد تفضي هذه المعطيات جميعها ـ في بادئ الأمر ـ إلى الظن بأن التقديس لا يعدو أن يكون مجرد منهج استثنائي في النظر إلى الحياة، لكنه في واقع الأمر صيرورة تاريخية عظمى تعكس بشدة العطش الإبستيمولوجي الذي يقض مضجع العقل البشري الشاك بطبعه، والشك مفتاح العلوم وأساسها. فلم يتوان العقل ـ بسبب التراكم المعرفي ـ عن المضي قدما في سبيل قطع الطريق التاريخية الصحيحة، فكان الفكر السحري الذي ظل لقرون عديدة أساسا لتحليل الواقع، ثم الفكر الأسطوري وأخيرا الفكر الديني.
الفكر الديني:
التفكير الديني ظاهرة إنسانية عميقة جدا، تضرب بجذورها في أعمق أعماق التجربة الإنسانية النفسية والمادية الملموسة. وتبين الأعداد الضخمة لمختلف الملل والنحل في مختلف بقاع العالم، أهمية هذا المعطى الحيوي بالنسبة للكائن البشري، وكذا الدور التاريخي الذي لعبته هذه الأديان في التأثير في مسار الإنسانية كلها. لقد خلقت هذه الأديان بالفعل ركاما لا متناهيا من المفاهيم والتصورات والتأويلات، واستطاعت أن تحتل مساحة شاسعة من التفكير الإنساني. إن التفكير بالمنطق الديني حلقة مهمة جدا من حلقات الحياة والوجود. إنه بالفعل جزء لا يتجزأ من مكونات أو محددات النفسية الإنسانية منذ الأزل. وتعتبر الأديان السماوية أحد أبرز سمات الفكر الديني وأشدها تعقيدا وشمولية وتأثيرا في مسار الإنسانية منذ وجودها على صفحة الواقع. وأعتقد أن السبب في ذلك يرجع إلى كونها حلقة متطورة جدا من حلقات مسلسل القداسة. إنها بذلك زبدة التراكم ونتيجته الحتمية. والأكيد أن ظهور الديانات السماوية في الحياة الإنسانية كان في مرحلة متقدمة جدا ومتطورة أيضا بالمقارنة مع فترة ظهور الديانات الأخرى، الشيء الذي جعلها تنبني أساسا على محددات معرفية متميزة، كاعتمادها على المنطق الفلسفي وكذا توسلها بالقراءة والكتابة كأبرز عناصر النضج الفكري الإنساني. كل هذه العناصر مجتمعة مكنت الديانات السماوية من احتلال موقع شمولي في حياة المؤمنين عموما، حيث إن هذه الديانات كانت بمثابة الدم الذي يحرك الجسد المؤمن ويترجم جميع أفعاله وتصوراته، بل ظل المؤمنون حبيسي النظرة الضيقة والأنانية للنظام الاعتقادي الذي يتميز في الغالب بالدعوة إلى قتل الآخر وتسفيه اعتقاده.
وكان الانفجار العلمي العظيم مفتاح تواصل إنساني لم يسبق له مثيل، مما ساهم بشكل كبير في ظهور المساءلة التاريخية العظمى لمدى قدرة التفكير الديني على احتواء وتنظيم المجتمع الحديث الذي عرف طفرة نوعية وتنوعا لم يكن في الحسبان. ولقد عرفت الديانات السماوية تصادمات كارثية فيما بينها عصفت، ولا زالت تعصف، بالآلاف من الأرواح الساذجة التي تناضل جاهدة، ومخطئة في آن واحد، من أجل نصرة معتقدها المفضل. هكذا دق العقل البشري من جديد ناقوس الخطر، وأكد ضرورة أن تتم مرا جعة المفاهيم والتصورات المتعلقة بالمقدس ودوره في الحياة والوجود، بل وموقعته ضمن الإطار المناسب لجعله يتبوأ المكانة المناسبة في المجتمع الحديث الذي تعتبر الفسيفساء الدينية أحد أبرز ملامحه.
العلمانية أرقى تصور حداثي للدين:
ولهذا السبب أجمع المتنورون في العالم أن المقدس أو الدين يجب أن يظل مسألة ذاتية شخصية، لأنه عنصر بالغ الأهمية في الحفاظ على التوازن النفسي لدى المؤمنين والمعتقدين بالدين عموما. ولم يكن سهلا أبدا القول بهذه الفكرة النيرة. إنها نتيجة مخاض فكري عسير ذهب ضحيته الآلاف من البشر. فبعد أن أخذ الدين في احتواء جميع مظاهر الحياة الإنسانية وتحليلها تحليلا طوباويا ضيقا، وبعد أن أخذت العلوم الإنسانية في التطور، كان لا بد للإنسان أن يتحرر من حبل الأنانية الدينية الملفوفة حول رقبته، خاصة بعد تعقد الحياة الإنسانية تعقدا شديدا، وكذا بروز قيم ومفاهيم جديدة وعلاقات لا يمكن للتفكير الديني النرجسي أن يستوعبها إلا في إطار مفهوم العلمانية الحقيقي. وكانت قيم الحداثة والديموقراطية والعقد الاجتماعي حلا جذريا للمأساة التاريخية والندوب العميقة التي حفرتها الدوغمائية الدينية في جبين الجسد البشري. وبذلك تم التـأكيد في عدد من بقاع العالم أن وظيفة الدين تتمثل أساسا في البعد الأخلاقي والنفسي والشخصي بصفة عامة. وكان لا بد من نضج المفاهيم المتعلقة أساسا بالتنظيم الاجتماعي لتولد العلمانية كأرقى تصور حداثي للدين. إنها بالفعل مفتاح العيش وأسلوبه الحداثي في كنف المجتمع الحديث، أرقى مجتمع عرفه التاريخ.
العلمانية والواقع المغربي:
على الرغم من فظاعة الرقعة الشاسعة التي تحتلها إشكالية العلمانية على أرض الواقع الفكري والسلوكي للإنسان اليوم، وعلى الرغم من الغموض المهول والجهل الفاضح الذي يطبع رؤى العديد من المثقفين والمهتمين بالشأن العام عموما، إلا أنني في هذه الأسطر الشحيحة سأحاول التطرق إلى الإشكال الحقيقي الذي يهدد مفهوم العلمانية في المغرب. وأعتقد أن رصد الأبعاد السوسيوثقافية للرفض الآني والمتسرع للعلمانية يستوجب إيضاح المنابع الأساسية للتفكير لدى المثقف المغربي. لأن هذا الرفض الآني المفرط في السرعة يفضح بشكل كبير هشاشة البنية الفكرية والاستيعابية لهذا المثقف الذي يبدو أنه غارق في الاستماع للأصوات العالية الجوفاء. وتسلبه المفاهيم السائدة للإشكالية بسهولة فائقة.
وأعتقد أيضا أن هذا ما يدعو إلى طرح أسئلة من قبيل:
ـ لماذا يرفض المغاربة مفهوم العلمانية قبل أن يكلفوا أنفسهم عناء معرفته واستيعابه؟
ـ هل بإمكان المثقف المغربي أن يتحرر ولو منهجيا من مركب اليقين المتعالي على الزمان والمكان؟
ـ وهل الذين يرفضون العلمانية في المغرب الآن يرفضونها رفضا واعيا، أم أنهم مجرد أفواه يؤكل بها الثوم؟
وقبل أي حديث عن واقع وآفاق الفكر العلماني في المغرب المعاصر، لا بد من إرساء تعريف شامل وجامع وحديث ومغربي لهذا المفهوم الذي نحن بصدد الوقوف على حيثياته. والواقع أن النقاش الدائر حول العلمانية نقاش يستحضر دائما الفكرة القائلة بوجوب وضع تعريف لائق وحقيقي لهذا المفهوم. ولا بد لي هنا أن أؤكد أن التعريف الذي سأسعى إلى صياغته يستحضر خصوصية المجتمع المغربي وقابليته التاريخية والآنية لاستساغة هذا المفهوم المتأصل طبعا داخل الهياكل الحية للمجتمع المغربي، وأيضا من أجل أن يكون سلوكا مستقبليا لهم لكي يرتقوا بالمسألة الديمقراطية ويؤسسوا دولة الحق والقانون والمؤسسات الحقيقية القادرة على إخراج المواطن المغربي من أزمة الجهل والفقر.
وكإجراء منهجي، وفي سبيل الإلمام الشمولي بماهية العلمانية سأستحضر بعض التحديدات التي وضعها بعض رواد هذا المفهوم، والذين ينتمون إلى دول يعتقد معظم مواطنيها بالديانة الإسلامية.
العلمانية لغة واصطلاح، فـ» أصل العلمانية واحد في اللغة العربية كما في اللغة الأجنبية. ففي اللغة العربية لفظ علمانية مشتق من )علم ( أي العالم… وعندما نشأت الكنائس في مدينة أنطاكية من بلاد الشام، نشأت معها طبقة جديدة أطلق عليها لفظ كهنة وظيفتهم ممارسة الطقوس الكنسية وتقديم القداس ونشر التعليم الديني، أما الطبقة التي ينتمي إليها الكهنة فيطلق عليها لفظ »كهنوتو«. وبعد الفتح الإسلامي تغلبت العربية على الآرامية فعربت كهنوتو بصيغة »كهنوت«، والنسبة إليها كهنوتي. أما المؤمنون فكان يطلق على أي منهم لفظ عامو أي عامي أو شعبي، ومن يقترب من الكنيسة يطلق عليه لفظ علمو أي عامي أو زمني أو دهري أو ابن الدنيا، كما في النسبة إليه لفظ علمويو ومعناه في الآرامية دنيوي أو علماني أي خاص بالزمان أو بالجيل أو بالعالم. وفي اللغة الأجنبية مشتق من اللفظ اللاتيني saeculum أي العالم… وأصبح لفظ علماني في معنى ضيق، إذ أطلق على الكاهن الديني الذي يتحمل مسؤولية إدارة ايبارشية، فيقال في هذه الحالة إن الكاهن قد تعلمن secularized. ثم اتسع اللفظ عندما استقل الإمبراطور عن بابا روما وتجسد الانفصال بين ما هو روحاني وما هو علماني في مؤسسات فانتقلت بعض المسؤوليات عن السلطة الكنسية في السلطة السياسية وسمي هذا الانتقال ب العلمانية«(1).
هذا عن التحديد اللغوي، أما الأساس العلمي للعلمانية فكان ظهوره تاريخيا عندما احتكرت الكنيسة المعرفة العلمية باسم الكتاب المقدس الذي يتضمن جميع الحقائق العلمية الآنية والمستقبلية »وكانت ا لسلطة الدينية ملتزمة بنسق بطليموسي، ذلك الذي يزعم أن الأرض مركز الكون، وأنها ثابتة لا تتحرك، وكان هذا الزعم مردودا إلى أر سطو الذي تصور النظام الكوني على أساس أن الأرض هي أثقل العناصر الأربعة وموطنها القاع« (2). وهذا الأساس العلمي للسيطرة الكنسية على الواقع مفاده أن الكنيسة تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وبذلك وجب على الجميع الامتثال لأوامرها ونواهيها مادامت تصدر عن مرجعية دينية تفسر مصدر كل العلوم. لكن النقد العلمي لنظرية كوبرنيك كان كفيلا بتفجير الأسس الدينية المتعالية، ومن ثم نشوء الفكر العلماني العلمي الذي يقتضي أن العقل الديني لا يمكن إلا أن يكون منفصلا عن العقل البشري النسبي،فــــ» فعدم امتلاك الحقيقة المطلقة تعني أن تفكير الإنسان محكوم بالنسبي وليس بالمطلق. وبالتالي ليس في إمكان السلطة الدينية توهم امتلاك الحقيقة المطلقة«(3). وللإشارة فإن أشهر تعريف للعلمانية على الإطلاق هو القائل بأنها الفصل بين الدين والدولة. لقد وصل هذا التعريف حدا لا يطاق من الابتذال والاستهلاك، ويكفي أن تسأل أحد المغاربة عن العلمانية حتى يمطرك بهذا التحديد. ويكفي كذلك أن تطلب توضيحا له حتى يواجهك بأنه إبعاد الله ودينه الحنيف عن السياسة. وحسبك أن تطلب مثالا حتى يمثل لك بالمثال الوحيد الذي يحفظه: تطبيق الحدود، ولو طبقت لكنا أفضل الأمم على الإطلاق، فانظر كيف كان حال الأمة الإسلامية عندما ائتمرت بأمر الله وطبقت هذه الحدود.. في أعلى عليين؟، وانظر ما صاروا إليه بعد تخليهم عنها والعياذ بالله… وكذلك تسمع من الفظاعات والمغالطات العلمية والتاريخية والدينية بالجملة. وهذا مردود بطبيعة الحال إلى وحدة الأصل الذي يزود المثقف المغربي الأبله. إنها الثقافة السائدة المبتذلة. وما يثبت هذا الطرح أنني كنت أسأل العديد من الذين يهتمون بالشأن العام عموما عن ماهية العلمانية، فكان من أغرب الأمور أن إجاباتهم كانت واحدة موحدة. إنها التي ذكرت. وكنت أسأل كل واحد منهم على حدة أن يدلني على المرجع الذي اعتمد عليه للاعتقاد اليقيني بتلك الفكرة. والأغرب من كل ذلك أنني لم أحصل على جواب م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb